علي بن محمد البغدادي الماوردي
12
أدب الدنيا والدين
وحكى الأصمعي « 1 » رحمه اللّه قال : قلت لغلام حدث « 2 » من أولاد العرب كان يحادثني فأمتعنى « 3 » بفصاحة وملاحة : أيسرك أن يكون لك مائة ألف درهم وأنت أحمق قال لا واللّه قال : فقلت ولم قال : أخاف أن يجني على حمقي جناية تذهب بمالي ويبقى على حمقي فانظر إلى هذا الصبي كيف استخرج بفرط ذكائه واستنبط بجودة قريحته ما لعله يدق على من هو أكبر منه سنا وأكثر تجربة . وأحسن من هذا الذكاء والفطنة ما حكى ابن قتيبة « 4 » أن عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه مر بصبيان يلعبون وفيهم عبد اللّه بن الزبير « 5 » فهربوا منه إلا عبد اللّه فقال له عمر رضي اللّه عنه : ما لك لم لا تهرب مع أصحابك فقال يا أمير المؤمنين : لم أكن على ريبة فأخافك ولم يكن الطريق ضيقا فأوسع لك فانظر ما تضمنه هذا الجواب من الفطنة وقوة المنة « 6 » وحسن البديهة « 7 » كيف نفى عنه اللوم وأثبت له الحجة فليس للذكاء غاية ولا لجودة القريحة نهاية . وحكي أن سليمان بن عبد الملك أمر الفرزدق « 8 » بضرب أعناق
--> ( 1 ) الأصمعي : هو أبو سعيد عبد الملك بن قريب بن علي بن أصمع كان حافظا عالما فطنا عارفا بأشعار العرب وأخبارها كان يقول : أحفظ ستة عشر ألف أرجوزة توفي في البصرة سنة 216 ه - وهو ابن 94 سنة . ( 2 ) حدث : بفتحتين : الشاب ، وجمعه أحداث . ( 3 ) فأمتعني : أفادني ونفعني . ( 4 ) ابن قتيبة : هو أبو محمد بن مسلم المروزي ، صاحب كتاب العوارف وأدب الكاتب . ( 5 ) عبد اللّه بن الزبير بن العوام ، هو أول من ولد في الاسلام للمهاجرين بالمدينة ، ولدته أمه أسماء بنت الصديق بقباء ، فأتت به النبي صلّى اللّه عليه وسلم فوضعه في حجره ، فدعا بتمرة فمضغها ، ثم تفل فيه وحنكه ، فكان أول شيء دخل في جوفه ريقه صلّى اللّه عليه وسلم ، ثم دعا له وكان صواما ، قواما . بويع له بالخلافة بعد موت يزيد بن معاوية ، واجتمع على طاعته أهل الحجاز واليمن والعراق وخراسان ما عدا الشام ، وجدد عمارة الكعبة وجعل لها بابين ، وحج بالناس ثماني حجج وبقي بالخلافة إلى أن حضره الحجاج بمكة سنة اثنين وسبعين ، ولم يزل يحاصره إلى أن أصابته رمية حجر ، فمات وصلب جسده ، وحمل رأسه إلى خراسان . ( 6 ) المنة : بضم الميم : القوة . ( 7 ) البديهة : المفاجأة . ( 8 ) الفرزدق : همام بن غالب الشاعر المشهور صاحب جرير ، لقب بالفرزدق لجهامة وجهه ، وغلظه - الفرزدق : القطعة الضخمة من العجين - وكنية أبو فراس . كان كريم الآباء ، شريف البيت ، شيعيا مائلا لبني هاشم ، ونزع في آخر عمره عما كان عليه من الفسق والقذف ، وراجع طريقة الدين ، ومات بالبادية سنة 110 ه - .